علي بن أحمد المهائمي

610

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

فما يسمّونهم إلّا بما يعلمون أنّ تلك الأسماء لهم حقيقة ] . ( والألوهية ) ليست من الأسماء الخاصة بتلك الأشخاص ، بل هي ( مرتبة ) مختصة باللّه تعالى في الواقع ، لكن ( يخيل العابد له ) أي : لهذا المعبود الباطل ( أنها مرتبة معبوده ) عن ظهور الحق بهذه المرتبة فيه ، وهذه المرتبة لم يتجل بها الحق في شيء في الواقع حتى يصح أن يسمى بالإله ؛ لأنه إنما يحصل ظهوره في مظهر لو صار واجب الوجود بالذات ، لكنه محال صريح ، ولكن ( هي على الحقيقة مجلى الحق ) في معبوده ؛ ( لبصر هذا العابد ) الخاص إضلالا له ، وإرخاء للستر عليه ؛ ليعبده في هذه المراتب بدليل أنه ( المعتكف على هذا المعبود ) الباطل ، فإنه لو لم يتجل لبصره بهذه المرتبة فيه مع أنه غير متجلّ بها فيه ( في ) الواقع لم يعتكف على عبادته . ( ولهذا ) أي : ولتخيل العابد الإلهية المعبودة بالذات أو بتجلي الحق فيه بها ، ( قال بعض من لم يعرف ) : إن الإله إنما يطالب المتقرب إليه بالذات ، ولا يتقرب به إلى الغير ، فكان قولهم : ( مقالة جهالة : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ) إما لأنها ( آلهة ) صغار لها قرب عند الإله الأكبر ؛ وإما لأنها صور إلهيته والتقرب إلى الصورة تقرب إلى ذي الصورة ، وهذا الجهل كما ( قالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] ، فما أنكروه ) ، أي : كون الإله واحدا ، ( بل تعجبوا من ذلك ) ؛ لظنهم أن الإله تجلى بالإلهية في الأصنام ، فصار كل واحد منهم إلها ، فمع بقاء تلك الصور كيف تتصور وحدة الإله ، وإنما هو بفنائها ، فجهلوا كون الإله واحدا في تلك الصور كلها بلا عجب ، لكنهم تحيروا عن الوقوف على الصورة ، ( فإنهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهية لها ) ، إذ زعموا أن الإله ظهر بإلهيته فيها ؛ لأنها صور كاملة ولا كمال لغيره ، ولم يعلموا أن كمال الحق بوجوب وجوده بالذات ، ولا يمكن ظهوره في شيء ، ( فجاء الرسول ودعاهم إلى ) إله ( واحد ) ؛ لئلا يقفوا على الصور ، ولا ينسبوا الإلهية إليها ؛ فإنه وإن ظهر فيها بصورة الوجود ، فلم يظهر بصورة الإلهية أصلا ، ففائدة ظهوره فيها أنه ( يعرف ) بوجه ، ولكن ( لا يشهد ) فيها القصور مظهريتها ، فلا تصبح نسبة الإلهية إليها ، فدعاهم إلى الإله الواحد الذي ثبت . ( فشهادتهم ) على أنفسهم ( أنهم أثبتوه عندهم ) ؛ لأنهم لما قالوا بالعدد المبهم ، وهو يتضمن الواحد ، فقد شهدوا على حقيّة الواحد وزادوا عليه ، فدعاهم إلى ذلك ، بأنه المتفق عليه ، والمدلول عليه بالدلائل القطعية ، فلابدّ في إثبات الزيادة من دليل ولا يوجد أبدا بالاستقراء ، بل تقوم الدلائل على امتناعه ، وليس ذلك بطريق التنزيل ( واعتقدوه في قوله : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ) ، وإنما كانت عندهم مقربة إلى اللّه